
في قلب إقليم الساحل الإفريقي الذي أنهكته الجماعات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية، تبرز موريتانيا نموذجًا استثنائيًا في المحافظة علي الأمن والاستقرار. فلم تكتفِ بمواجهة الإرهاب في الميدان وتأمين حدودها الشاسعة من خطر التسلل والاختراق، بل تبنت مقاربة شاملة جوهرها أن المعركة مع التطرف لا تُحسم بالسلاح وحده.
فمن جهة، عملت على تجفيف المنابع الاجتماعية للهشاشة عبر سياسات تنموية تستهدف الإدماج والإنصاف وتوسيع فرص العيش الكريم، ومن جهة أخرى خاضت مواجهة فكرية عميقة مع خطاب الغلو والتكفير من خلال حوارات مباشرة قادها علماء مشهود لهم بالعلم والاعتدال مع السجناء المتورطين في قضايا الإرهاب.
وقد أثمرت هذه الحوارات في حلقتها الاولي مراجعات فكرية جوهرية أعلن خلالها عدد من المستهدفين تخليهم عن الأفكار المنحرفة وعودتهم إلى نهج الوسطية والاعتدال. واليوم، ومع إعلان العفو عن مجموعة جديدة بعد استكمال مسار المراجعات الفكرية، تتأكد نجاعة هذه المقاربة التي لم يقتصر أثرها على المعنيين بها مباشرة، بل امتد ليحصن شرائح واسعة من المجتمع كانت عرضة لدعاية التطرف. لقد برهنت موريتانيا أن مكافحة الإرهاب تكون أكثر فاعلية حين تستهدف جذور الانحراف الفكري وتصحح المفاهيم المغلوطة وتفتح أبواب العودة إلى جادة الصواب للمغرر بهم.
ومن ثم فإن هذه التجربة الرائدة تفتح أمام دول الساحل أفقًا واعدًا لمقاربة متوازنة تجمع بين الحزم الأمني والتنمية العادلة والحكامة الرشيدة، بما يمكن المنطقة من تجاوز أزماتها المركبة واستعادة الأمن والاستقرار على أسس أكثر رسوخًا واستدامة..
متابع



.gif)